ورقة
سيكولوجية الطغيان
لا يمكن فهم السلوك السادي للحجاج بمعزل عن دراسة بيئته الأولى وآليات التكيف النفسي التي طورها خلال رحلة صعوده السياسي.
قراءة في ساديّة الحجاج الثقفي
مقدمة
لا يمثل تاريخ الحجاج بن يوسف الثقفي مجرد حقبة من الصراع السياسي في العصر الأموي، بل يشكل نموذجاً تاريخياً مبكراً لمأسسة العنف وتحويل القسوة والترهيب إلى استراتيجية حكم ممنهجة.
وإذا كانت بعض السرديات التاريخية التقليدية قد جنحت غالباً نحو تبرير فظائع الحجاج برداء "الضرورة السياسية" وحفظ الأمن، فإن المنظور الحقوقي والإنساني يرى في هذه التجربة تجسيداً صارخاً لكيفية تطويع مؤسسات الدولة وقوانينها لخدمة النزعات السادية ومصادرة الحقوق الأساسية للبشر، وعلى رأسها الحق في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية.
إن قراءة سلوك الحجاج من خلال أدبيات حقوق الإنسان المعاصرة تكشف أن إلحاق الألم بالآخرين لم يكن مجرد رد فعل عشوائي على الثورات، بل كان سلوكاً منظماً ومهندساً بدقة، بحيث يعكس سمات سيكوباتية واضحة تتمثل في موت الضمير، والافتراض المطلق للحق في سحق "الآخر"، وغياب التعاطف الإنساني.
تدرس الورقة كيف تحولت الدوافع النفسية لشخصية عصامية مهووسة بالسيطرة وإثبات الولاء الأعمى للسلطة إلى آلة تعذيب وقمع أثرت على جيل كامل من الرعية.
وتنطلق هذه القراءة من فرضية محورية مفادها: إن سادية الحجاج الثقفي لم تكن استجابة استثنائية لتهديدات أمنية، بل كانت تعبيراً عن بنية نفسية متطرفة تتلذذ بإخضاع الكرامة الإنسانية وإلحاق الألم.
البنية السيكولوجية للحجاج
لا يمكن فهم السلوك السادي للحجاج بمعزل عن دراسة بيئته الأولى وآليات التكيف النفسي التي طورها خلال رحلة صعوده السياسي.
إن تفكيك هذه الشخصية يمر عبر ثلاثة أبعاد سيكولوجية رئيسية، أولها سيكولوجية "السلطوية الأبوية" المرتبطة بمهنة التعليم المبكرة، حيث بدأ الحجاج حياته المهنية كمعلم صبيان في الطائف، وهي مهنة كانت تعتمد في ذلك العصر على التلقين الصارم وفرض الطاعة العمياء عبر العقاب البدني.

ووفقاً لنظريات علم النفس، فإن الانغماس المبكر في دور "المُهيمِن المُطاع" يرسخ في الوعي آلية دفاعية تُعرف بالإسقاط الأبوي المتسلط، فبات يرى الرعية كأطفال قُصّر أو صبيان لا يمكن تقويمهم أو ضبط سلوكهم إلا عبر الألم والعصا، فتحولت الرغبة في التوجيه الصارم إلى عقيدة سياسية ترى في العنف أداة تربوية شرعية لإعادة هندسة المجتمع وتشكيله.
اما بالنسبة للبعد الثاني ووفقاً لنظرية علم النفس الفردي لألفرد أدلر، فإن الحجاج لجأ إلى آلية التعويض المفرط، حيث تحول شعوره بعدم الأمان السياسي وسط النخب الأموية الأرستقراطية إلى رغبة عارمة في السيطرة المطلقة، مستخدماً العنف المفرط كأداة نفسية لإثبات الجدارة حيث التماهي والتوافق مع المعتدي يزيل عنه الشعور بالذنب، وعندما يرى في عين صاحب السلطة الرضا عنه، فان ذلك يزيد عنده التمادي في العنف.
البعد الثالث يظهر عند قياس سلوكه بالمعايير النفسية الحديثة، حيث يُمثّل الحجاج نموذجاً واضحاً لما يُسمّى في علم النفس بالثالوث المظلم للشخصية، والذي يتكون من ثلاثة اضطرابات متداخلة:
أولاً: السيكوباثية: وتظهر في اختفاء مشاعر التعاطف الإنساني لديه تماماً، وقدرته على سفك الدماء ببرود أعصاب مذهل، يضاف إلى ذلك امتلاكه مهارة لغوية وبياناً هائلاً، استخدمهما كأداة نفسية لبث الرعب وشل إرادة خصومه.
ثانياً: الميكيافيلية: وتتجسد في نفعيته السياسية الشديدة، فهو يرى أن الغاية (وهي حفظ نظام الحكم) تبرر أي وسيلة، مهما كانت متطرفة أو منتهكة لكرامة البشر ومقدساتهم.
ثالثاً: السادية: ووفقاً لعالم النفس إيريك فروم، فإن السادية ليست مجرد إلحاق ألم جسدي عابر، بل هي الرغبة الجارفة في السيطرة المطلقة على الإنسان وتجريده من إرادته.
لقد كان الحجاج يجد إشباعاً نفسياً كبيراً في سلب الأمان من الناس، وتحويلهم إلى مجرد أرقام في السجون أو رؤوس ينتظر قطفها، مستمتعاً بمشهد خضوعهم التام.
الترهيب اللفظي (خطبة الكوفة كصدمة سيكولوجية)
وتُعد خطبته الشهيرة في أهل الكوفة نموذجاً واضحاً لخطاب الرعب الرسمي، فبدلاً من أن يطرح برنامجاً سياسياً أو خطة لإدارة البلاد، تعمّد إلقاء خطبة مليئة بالتهديد والوعيد اللفظي. استخدم فيها تشبيهات لغوية غاية في العنف والقسوة حين قال: إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها.
من المنظور النفسي، لم يكن هذا الخطاب يستهدف الإقناع، بل كان يهدف إلى شلّ تفكير الناس وعقولهم عبر بث رعب مفاجئ ومكثف، فلقد تعمّد الحجاج توظيف لغة جسده، وصمته الطويل قبل الكلام، ليرفع مستوى التوتر والذعر لدى الحاضرين.
الحجاج وظف هنا لغة الجسد السادية عبر لثامه والصمت الطويل قبل الحديث لرفع منسوب التوتر لدى الحاضرين، مما يجردهم سيكولوجياً من القدرة على التفكير الجماعي أو المقاومة، محولاً المجتمع إلى كتلة مذعورة تبحث عن الخلاص الفردي عبر الطاعة المطلقة، وهو انتهاك حقوقي جسيم يسلب الإنسان الحق في الأمان النفسي وحرية التعبير.
مأسسة التعذيب
لا يتوقف إشباع النزعة السادية عند الترهيب اللفظي، بل يتجسد في البنية المكانية التي صممها الحجاج لمعاقبة خصومه، ويعد "سجن واسط" دليلاً على هندسة التعذيب السيكولوجي والمادي.
يعبر هذا التصميم الهندسي للسجن في عصر الحجاج عن نزعة سادية متطرفة تعتمد استراتيجية نزع الإنسانية، فالهدف هنا ليس حجز حرية المعارض السياسي، بل تحطيم كبريائه الإنساني، وتحويل جسده ونفسه إلى
مسرح للألم المستمر.
إن تعريض الضحايا للموت البطيء والتشويه النفسي والجسدي الممنهج يعكس رغبة السادي في ممارسة سلطة إلهية مطلقة على حيوات الآخرين ومصائرهم، وهو ما يصنف في مواثيق حقوق الإنسان الحديثة كجريمة تعذيب ممنهجة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
سيكولوجية الطاغية أمام الصمود الأخلاقي
تصل السادية السياسية ذروتها في مواجهة الشخصيات التي ترفض الانصياع السيكولوجي، وتمثل حادثة إعدام سعيد بن جبير تجسيداً لصدام سيكولوجية الطاغية المهووس بالإخضاع مع الصمود الأخلاقي والحقوقي للضحية.
عندما واجه سعيد بن جبير الحجاج بثبات ويقين، تحولت محاكمته إلى مأزق نفسي للحجاج، فالشخص السادي يستمد قوته وإشباعه من رؤية الضحية تنهار، تتوسل، أو تبكي، بينما أظهر سعيد بن جبير تماسكاً فكرياً ونفسياً.هذا الصمود كسر التوازن النفسي للحجاج، واعتبره تهديداً مباشراً لسطوته، مما دفعه إلى المسارعة بإصدار حكم الإعدام بطريقة انتقامية ممعنة في القسوة.
واللافت سيكولوجياً هو "القلق الارتدادي" الذي أصاب الحجاج بعد الجريمة، حيث طاردته كوابيس سعيد بن جبير في مرضه الأخير، وهو ما يفسره علم النفس بالانهيار العصابي للاستبداد، حيث تلتهم الجريمة في النهاية أمان الجاني السيكولوجي بعد أن يفقد القدرة على السيطرة على إسقاطاته الذهنية وذنوبه المكبوتة.

خاتمة
الاستبداد مهما بلغت قسوته وهندسته للتعذيب، يظل هشّاً من الداخل، يلتهمه القلق الارتدادي وتطارده دماء الأبرياء، لتبقى العدالة الإنسانية والأخلاقية هي المنتصر الأخير في وعي التاريخ.
المصادر والمراجع
1-ايريك فروم-تشريح التدميرية البشرية.
2-ألفرد أدلر-فه الطبيعة البشرية.
3-آنا فرويد-الأنا وآليات الدفاع.
4-ديلروي بولهاوس وكيفين ويليامز-دراسة الثالوث المظلم للشخصية.
5-جيرولد بوست-سيكولوجية الطغيان.
6-مصطفى حجازي-التخلف الاجتماعي مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور.
7-عبد الرحمن الكواكبي-طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.
8-ابن كثير-البداية والنهاية.
9-الطبري-تاريخ الرسل والملوك.
10-المسعودي-مروج الذهب ومعادن الجوهر.
هشام البنا
باحث
لا توجد تعليقات بعد
يجب تسجيل الدخول للتعليق. تسجيل الدخول
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.