ورقة

هندسة الرعب وسوسيولوجيا الجسد

زنازين الحجاج بن يوسف الثقفي وصناعة الطاعة   تحوّل الجسد من كيان بيولوجي إلى لوحة سياسية لم يكن الحجاج بن يوسف الثقفي مجرد قائد عسكري في التاريخ الأموي، بل ك...

صورة تخيلية لسجون الحجاج


زنازين الحجاج بن يوسف الثقفي وصناعة الطاعة

 

تحوّل الجسد من كيان بيولوجي إلى لوحة سياسية

لم يكن الحجاج بن يوسف الثقفي مجرد قائد عسكري في التاريخ الأموي، بل كان مهندساً اجتماعياً وسياسياً استخدم "سوسيولوجيا الجسد" بأبشع وأذكى الطرق لترسيخ حكم بني أمية.

في عهده، تحول الجسد الإنساني من كيان بيولوجي إلى "لوحة سياسية" يكتب عليها الحجاج رسائل الرعب والترهيب لخصومه ومجتمعه.

خطبة الكوفة: إعلان استباحة الجسد

بدأت العلاقة السوسيولوجية بين الحجاج والجسد منذ لحظة وصوله للكوفة في خطبته الشهيرة المدوية التي قال فيها:

إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها

من منظور علم الاجتماع السياسي، هذا الخطاب يمثل تجريداً للجسد من إنسانيته عبر تحويل الرؤوس البشرية إلى "ثمار" تقطف، وإعلان ملكية السلطة المطلقة لأجساد الرعية، حيث يملك الحاكم وحده حق تفكيكها في أي وقت.

زنازين الحجاج: هندسة العذاب والتعرية البيولوجية

تميّزت سجون الحجاج (خاصة سجن واسط) بتصميم هندسي يهدف إلى تدمير الجسد اجتماعياً قبل تدميره فيزيائياً، وهو ما يلتقي مع أطروحة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حول "تكنولوجيا السلطة" التي تخضع الأجساد للمراقبة والعزل والتنكيل، وتجلى ذلك في آليتين:

أولاً: السجون بلا أسقف وعذاب الطبيعة:

ترك الحجاج السجناء تحت الشمس الحارقة والبرد القارس. سوسيولوجياً، هذا يحرم الجسد من الخصوصية والاستقرار ويحوله إلى جسد معروض للطبيعة لكسر كبرياء النفس البشرية، حيث يروي ابن الأثير:

صورة تخيلية لسجون الحجاج
صورة تخيلية لسجون الحجاج



"بنى الحجاج سجناً بواسط، فلم يكن له سقف يقي الناس من الحر والبرد، فكان إذا أمطروا صاروا في الطين إلى ركبهم، وإذا كان الحر لم يجدوا ظلاً".

 

ثانياً: التكديس ومحو الهوية الفردية:

صورة تخيلية في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي
صورة تخيلية لزمن الحجاج

عبر إلغاء المسافات الشخصية بين الأجساد:

تحول البشر داخل الزنزانة إلى كتلة بيولوجية واحدة فاقدة للهوية الفردية، مما أدى إلى تبديل ملامحهم الظاهرية لدرجة تجعل الأمهات يعجزن عن التعرف على أبنائهن.


التعذيب العلني: الجسد كمشهد استعراضي

وفقاً لنظريات علم الاجتماع الحديث، فإن العقاب في القرون الوسطى لم يكن هدفه إصلاح السجين، بل إرهاب المتفرجين.

صورة تخيلية في زمن الحجاج بن يوسف الثقفي
صورة تخيلية لزمن الحجاج

كان الحجاج يستخدم أجساد خصومه كأدوات تواصل سياسي من خلال الصلب وقطع الأطراف في الفضاء العام، ليس لعقاب الشخص نفسه، بل لإرسال رسالة بصرية مرعبة لكل من يفكر في التمرد.



استراتيجيات المقاومة: ثبات الأجساد الصامدة

تتجلى المفارقة السوسيولوجية عندما تفشل آلة الرعب العسكرية أمام ثبات أجساد الضحايا ولغتها الصامدة، حيث تحول الألم من عقوبة إلى وسيلة للانتصار الرمزي:

سعيد بن جبير: الابتسامة المزلزلة للسلطة

كان ثبات وابتسام سعيد بن جبير يمثل صدمة حقيقية للحجاج، لأن ثبات جسد الضحية يعني فشل تكنولوجيا الرعب الخاصة بالسلطة، وانتصار الروح والموقف على الآلة العسكرية:

لما أُتي بسعيد بن جبير إلى الحجاج، قال له الحجاج: ما اسمك؟ قال: سعيد بن جبير. قال: بل أنت شقي بن كُسير! قال: أمي كانت أعلم باسمي منك.. فلما أَمَرَ بذبحه، ضحك سعيد، فقال الحجاج: ما أضحكك؟ قال: عجبتُ من جرأتك على الله، وحلم الله عنك.


كميل بن زياد النخعي: لغة الجسد الهادئة

صورة تخيلية للحجاج وكميل بن زياد
صورة تخيلية للحجاج وكميل

كان كميل من أصحاب الإمام علي بن أبي طالب، وطارده الحجاج لسنوات حتى سلّم كميل نفسه ليرفع الأذى عن قومه. وعندما دَخَل على الحجاج، أراد الحجاج كسر كبريائه بتهديده بالقتل الفوري، فواجهه كميل بلغة جسد هادئة تماماً وبكلمات جردت السلطة من قوتها الرمزية قائلاً:

 "لا تصرف عليّ أنيابك ولا تبرق، فوالله ما بقي من عمري إلا مثل كواسل الغبار، فاقضِ ما أنت قاض، فإن الموعد الله، وبعد القتل الحساب"، ثم أَمَرَ الحجاج بضرب عنقه فمات ثابتاً.

سقوط شرعية العنف حتى في ظل ممارسته

إن زنازين الحجاج بن يوسف الثقفي وسياسته القمعية لم تكن مجرد سادية شخصية، بل كانت "آلية سوسيولوجية منظمة" لإنتاج مجتمع خاضع عبر ترويع وارهاق الجسد.

 لقد أثبتت تجربة الحجاج أن السلطة المستبدة ترى في الجسد البشري الحقل الأساسي الذي يجب السيطرة عليه أولاً، لضمان السيطرة على العقول والبلدان لاحقاً.

 غير أن ثبات أجساد المفكرين والعلماء أمثال سعيد بن جبير وكميل بن زياد أثبتت تاريخياً أن السلطة قد تملك الفضاء المغلق والجسد الفيزيائي، لكنها تعجز تماماً عن سجن الموقف والمعنى.

ومن منظور فلسفة القانون والحقوق الشخصية المعاصرة، فإن ما اقترفته الآلة الاستبدادية للحجاج داخل زنازين واسط يُعد إدانة تاريخية صارخة لانتهاك حقوق الإنسان الأساسية.

 فالجسد البشري يملك حقوقاً طبيعية وشخصية لصيقة بآدميته — نادت بها القيم الروحية وقنّنتها المواثيق الدولية الحديثة — وعلى رأسها الحق في السلامة الجسدية، والحق في السلامة النفسية (وهو ما انتهكه الحجاج بالتعذيب والصلب العلني)، والحق في الكرامة والخصوصية، وحماية الهوية الشخصية من المحو والتدمير (وهو ما حطمته هندسة السجون المفتوحة بلا أسقف والتكديس البيولوجي للبشر).

 

المصادر والمراجع

1)        ابن الأثير، عز الدين (1965) -الكامل في التاريخ (تحقيق: د. كمال مروة، ط 1، ج 4، أحداث سنة 82 هـ، ص 471-472) بيروت: دار صادر.

2)        ابن كثير، عماد الدين (1998) - البداية والنهاية (تحقيق: عبد الله التركي، ط 1، ج11، ص 300-312) الجيزة: دار هجر للطباعة والنشر.

3)        الذهبي، شمس الدين (1985) - سير أعلام النبلاء (تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ج 4، ص 118-119). بيروت: مؤسسة الرسالة.

4)        فوكو، ميشيل (2014) - المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن (ترجمة: علي مقلد، ط2، ص 45-50). بيروت: مركز الإنماء القومي.

5)        لو بروتون، ديفيد (1997) - سوسيولوجيا الجسد (ترجمة: عادل بنصر، ط 1) - الدار البيضاء: دار توبقال للنشر.

 

هشام البنا

باحث

كل مواد الكاتب ←
يجب تسجيل الدخول للإعجاب بهذه المقالة. لا توجد إعجابات بعد

لا توجد تعليقات بعد

يجب تسجيل الدخول للتعليق. تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق.